المرأة في صدارة المواجهة.. أصوات نسائية بتعز تطالب بسياسات مناخية عادلة
المرأة في صدارة المواجهة.. أصوات نسائية بتعز تطالب بسياسات مناخية عادلة
في مدينة تعز جنوب غرب اليمن اجتمعت أصوات نسائية من خلفيات وتخصصات متعددة لتناقش واحدة من أكثر القضايا إلحاحا في البلاد، وهي التغيرات المناخية وتأثيرها المتصاعد في المجتمع، ولا سيما النساء والفتيات.
ولم تكن ورشة العمل التشاورية التي اختتمت يوم أمس الثلاثاء مجرد لقاء عابر، بل منصة عبّرت فيها المشاركات عن قلق عميق من واقع يزداد قسوة، وعن أمل بأن يتحول حضور النساء من المشاركة الشكلية إلى دور حقيقي في صياغة السياسات المناخية الوطنية.
وبحسب ما نقلته وكالة “أنباء المرأة”، اليوم الأربعاء، جاءت الورشة بتنظيم مشترك بين جهات محلية وبالتعاون مع وحدة المناخ في وزارة المياه والبيئة في عدن، وامتدت على مدى 3 أيام، وخرجت بجملة من التوصيات التي قدمتها النساء في اليمن للإسهام في إعداد المساهمة الوطنية الثالثة الخاصة باليمن، ما يضمن شمولية السياسات المناخية وأخذ احتياجات الفئات الأكثر تضرراً بعين الاعتبار.
ركزت الورشة على أهمية إشراك النساء بشكل فعلي في العمل المناخي، ليس فقط عبر الحضور في الورش والمؤتمرات، بل من خلال تمكينهن من الإسهام المباشر في وضع الخطط والسياسات وتنفيذها على أرض الواقع، وشددت المشاركات على أن النساء في اليمن يواجهن آثار التغير المناخي بشكل يومي، سواء من خلال شح المياه أو تدهور سبل العيش أو النزوح القسري، ما يمنحهن فهماً عميقاً للتحديات وقدرة على اقتراح حلول عملية تنطلق من الواقع.
النساء في قلب الأزمة
أوضحت رئيسة مؤسسة شورى للسلام والتنمية وفاء حمدين أن التغيرات المناخية تركت آثاراً عميقة على النساء والفتيات في اليمن، باعتبارهن الفئة الأكثر هشاشة في مجتمع يعاني أصلاً من الحرب والفقر وضعف الخدمات.
وأشارت إلى أن من أبرز هذه الآثار حرمان عدد كبير من الفتيات من التعليم نتيجة اضطرارهن لجلب المياه من مناطق بعيدة، في ظل تراجع مصادر المياه القريبة من التجمعات السكنية.
وأضافت أن موجات الجفاف دفعت عائلات كثيرة إلى النزوح من مناطقها بحثاً عن مصادر مياه، وهو ما أسهم في تفكك مجتمعي وزيادة الضغوط الاقتصادية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على النساء والفتيات، ورفع من معدلات زواج القاصرات في بعض المناطق بوصفه وسيلة تلجأ إليها الأسر للتخفيف من الأعباء المعيشية.
وأكدت وفاء حمدين أن مشاركتها في الورشة جاءت بدافع السعي إلى أن يكون للنساء صوت مسموع وتأثير حقيقي في القضايا المصيرية، مشيرة إلى أن تنوع المشاركات من مختلف التوجهات السياسية والتخصصات المهنية، إلى جانب حضور نساء مستقلات، أتاح طرح رؤى متعددة تعكس واقع المرأة اليمنية بتعقيداته المختلفة.
وأعربت عن أملها في ألا تظل مشاركة النساء محصورة في الفعاليات الرسمية، بل أن تمتد إلى مواقع صنع القرار، وأن يتم إدماج النساء بشكل فاعل في إعداد السياسات والإسهامات الوطنية المتعلقة بالمناخ، مؤكدة أن النساء يمتلكن قدرة عالية على التكيف مع البيئة والتعامل مع التغيرات، ما يجعلهن شريكاً أساسياً في هذا المجال.
العمل المناخي والسياسات العامة
من جهتها شددت المحامية وئام المقطري على أن التغيرات المناخية أثرت بشكل أساسي في النساء، خصوصاً النساء المهمشات والأشد ضعفاً في المجتمع، وأوضحت أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلاد، نتيجة النزاع المستمر منذ سنوات، فاقم من تأثير هذه التغيرات في النساء، وجعل معاناتهن مضاعفة.
وأشارت إلى أن النساء النازحات كن من أكثر الفئات تضرراً، حيث فقدن مصادر الدخل والاستقرار، ووجدن أنفسهن في بيئات تفتقر إلى الخدمات الأساسية، ومنها المياه والرعاية الصحية، واعتبرت أن إشراك النساء في مثل هذه الورش والندوات ليس ترفاً أو مجاملة جندرية، بل ضرورة حتمية لضمان سياسات أكثر عدالة وفعالية.
وبدورها أوضحت المهندسة الزراعية والناشطة أحلام الشدادي أن المرأة هي الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية في اليمن، لكنها في الوقت نفسه تمتلك دوراً محورياً في التخفيف من آثارها، وأكدت أن مشاركة النساء في هذه اللقاءات تتيح فرصة لنقل معاناتهن بشكل مباشر إلى صناع القرار، وتحويلها إلى حلول ملموسة تسهم في تقليل الأضرار.
وأعربت الشدادي عن طموحها في أن ينعكس هذا الدور بصورة عملية، من خلال سياسات تحد من استغلال النساء، وتقلل من مستويات العنف الجسدي والمعنوي الذي يتفاقم في أوقات الأزمات، إضافة إلى معالجة الآثار الصحية الناتجة عن التغيرات المناخية، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية.
نحو سياسات مستدامة
خلصت الورشة إلى مجموعة من التوصيات التي شددت على ضرورة دمج منظور النوع الاجتماعي في السياسات المناخية الوطنية، وضمان مشاركة النساء في جميع مراحل التخطيط والتنفيذ والتقييم، كما دعت إلى تعزيز برامج التدريب وبناء القدرات للنساء في مجالات الزراعة المستدامة وإدارة الموارد المائية والتكيف مع المناخ، ما يتيح لهن لعب دور فاعل في مجتمعاتهن.
وأكدت المشاركات أن تحقيق العدالة المناخية في اليمن لا يمكن أن يتم دون تمكين النساء، باعتبارهن خط الدفاع الأول في مواجهة آثار التغير المناخي داخل الأسر والمجتمعات المحلية، ودون الاستفادة من خبراتهن المتراكمة في التكيف مع الظروف القاسية.
يعد اليمن من أكثر الدول تضرراً من التغيرات المناخية على مستوى المنطقة، حيث يعاني من شح حاد في المياه، وتدهور الأراضي الزراعية، وازدياد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، وتفاقمت هذه التحديات بفعل النزاع المستمر منذ سنوات الذي أضعف مؤسسات الدولة وأثر بشكل كبير في الخدمات الأساسية، في هذا السياق تواجه النساء والفتيات عبئاً مضاعفاً، إذ يتحملن مسؤوليات إضافية تتعلق بتأمين المياه والغذاء ورعاية الأسرة، في ظل محدودية الموارد وغياب الحماية الاجتماعية.
وتسعى الجهود الحالية لإعداد الإسهامات الوطنية في مجال المناخ إلى وضع إطار يحدد التزامات اليمن في التكيف مع التغير المناخي والتخفيف من آثاره، غير أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بمدى شموليتها وقدرتها على إشراك الفئات الأكثر تضرراً، وفي مقدمتها النساء بوصفهن شريكات حقيقيات في رسم مستقبل أكثر أمناً واستدامة للبلاد.











